مركز الأبحاث العقائدية

332

موسوعة من حياة المستبصرين

ذلك ان يسأله عن سيرة الشيخين التزم بها أم لا . والحقيقة إنّ الإمام عليّ ( عليه السلام ) كان صادقاً مع نفسه ومع الناس إذ قال : " دعوني والتسموا غيري " لأنه أعطى تبريره لهذا الموقف بقوله : " إنّا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان لا تقوم له القلوب ، ولا تثبت عليه العقول ، وإن الآفاق قد أغامت ، والمحجة قد تنكرت " . وقد كان ( عليه السلام ) خبيراً بما انطوت عليه نفوس القوم من الشبهات والأحقاد والأطماع ، كما أن المتغيرات التي طرأت على الدولة الإسلامية في سائر نواحيها - خلال حكومة الثلاثة - كانت من السعة بحيث لا يمكن لعليّ ( عليه السلام ) إزالتها إلاّ بقرارات ومواقف حاسمة لا تقوم لها القلوب ولا تركن لها النفوس ، وهو من جانبه لا يرضى أن يقرّ أوضاعاً لا تمت إلى الدين بصلة . وفي ذات الوقت كانت ثقته بمن حوله ضعيفة ولا يأمن غوائلهم ولا يضمن مساندتهم له إذا ما قام بحركة إصلاحية كبيرة تعيد الوضع إلى سابق عهده أيام رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ; كما برهنت عليه الأحداث فيما بعد . لكن الإمام عليّ ( عليه السلام ) تحت إلحاح الناس واجتماعهم عليه نهض بالأمر ، وفي ذلك يقول : " أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ، لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر ، وما أخذ على العلماء ألاّ يقاروّا على كظة ظالم ، ولا سغب مظلوم ، لألقيت حبلها على غاربها ولسقيت اخرها بكأس أولها ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز " ( 1 ) . بهذه الكلمات العميقة يبين الإمام الدواعي والأسباب التي حملته على التصدي للإمارة والامساك بمقاليد الدولة وأزمّة الأمور ، ولولاها لظلّ كما هو يؤدي رسالته إماماً شاهداً على عصره .

--> 1 - نهج البلاغة : 49 .